يحيي بن حمزة العلوي اليمني

127

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

القسم الثاني في بيان ما يرد في الجمل المتعددة ، ويرد على صور مختلفة ، وكلّها وإن اختلفت فإنها ترجع إلى الضابط الذي ذكرناه من قبل ، ونشير منه هاهنا إلى ضروب أربعة ، وفيها دلالة على غيرها بمعونة الله تعالى . الضرب الأول ما يكون عائدا إلى النفي والإثبات ، وحاصله راجع إلى أن يذكر الشئ على جهة النفي ، ثم يذكر على جهة الإثبات أو بالعكس من ذلك ، ولا بدّ أن يكون في أحدهما زيادة فائدة ليست في الآخر يؤكد ذلك المعنى المقصود ، وإلّا كان تكريرا ، ومثاله قوله تعالى : لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 44 ) [ التوبة : 44 ] ثم قال تعالى : إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) [ التوبة : 45 ] فالآية الثانية كالآية الأولى إلّا في النفي والإثبات ، فإن الأولى من جهة الإثبات ، والثانية من جهة النفي ، فلا مخالفة بينهما إلا فيما ذكرناه ، خلا أن الثانية اختصت بمزيد فائدة ، وهي قوله وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) إعلاما بحالهم في عدم الإيمان بالله واليوم الآخر ، وأنهم في وجل وإشفاق من تكذيبهم ، حيارى في ظلم الجهل ، لا يخلصون إلى نور وهدى ، ولولا هذه الفائدة لكان ذلك تكريرا ولم يكن من باب الإطناب ، ومن هذا قوله تعالى : وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 6 ) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ( 7 ) [ الروم : 6 - 7 ] فقوله : يَعْلَمُونَ بعد قوله : لا يَعْلَمُونَ ( 6 ) ، من الباب الذي نحن بصدده ، ولهذا فإنه نفى عنهم العلم بما خفى عنهم من تحقيق وعده ثم أثبت لهم العلم بظاهر الحياة الدنيا ، فكأنه قال : علموا ، وما علموا ، لأن العلم بظاهر الأمور ليس علما على الحقيقة ، وإنما العلم هو ما كان علما بطريق الآخرة ومؤديا إلى الجنة ، فلولا اختصاص قوله يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون لكان تكريرا لا فائدة تحته ، فلأجل ما ذكرناه عد من الإطناب لاشتماله على ما ذكرناه من الفائدة التي لخصناها . الضرب الثاني أن يصدر الكلام بذكر المعنى الواحد على الكمال والتمام ، ثم يردف بذكر التشبيه على جهة الإيضاح والبيان ومثاله قول أبى عبادة البحتري :